ابن رضوان المالقي

6

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

أحدهما أن الآخر يكاد يطغى عليه ويسلب منه سلطانه أو بعض سلطانه . وما لبث الملك المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق أن استولى على مالقة . ثم بعد أعوام ستة تركها لأحد أمراء بني الأحمر إسماعيل بن يوسف بن نصر وذلك في أواخر القرن السابع - ثم تولاها بعده ابنه الرئيس أبو سعيد فرج عام 682 ه - وقد مهد هذا الرئيس ملك غرناطة لابنه إسماعيل ( عام 713 ه ) . « 2 » في وسط هذه المؤامرات الرخيصة في سبيل ملك رخيص ، عاشت مالقة وغرناطة وارباضهما في عهد بني الأحمر ، وقد باع بنو الأحمر بلاد الإسلام الأخيرة في الأندلس قطعة فقطعة حتى بلغت النكبة ذروتها في نهاية القرن التاسع حين سلمت غرناطة إلى طاغية الروم على يد أبي عبد اللّه ابن الأحمر الأخير ، ولعلنا نلاحظ ظاهرة من اغرب الظواهر خلال تلك المعارك الأخيرة بين الرؤساء وأمراء البلاد في تلك الأثناء ، وهي ظاهرة المرتزقة ، ففي جيش أواخر الحكم الموحدي ، كانت هناك فرق من الروم تحارب للسلطان الموحدي ، وكانت هناك أيضا فرق من الروم تحارب في جيوش رؤساء بني الأحمر ، كما كان هناك روم في جيوش أمراء بني عبد الواد ، ثم احتفظ المرينيون أيضا بهذا التقليد ، وكان لفرق المرتزقة هؤلاء قواد وأمراء ، سرعان ما تدخلوا في حكم بلاد الإسلام ، وكانت لهم بطبيعة الحال يد كبرى في اذكاء الفتنة بين أمراء المسلمين ينفذون سياسة التفريق بينهم ، وذلك لمصلحة وسيادة ملوك النصارى الإسبان ، كما فر عدد من الأمراء وأتباعهم إلى ملوك إسبانيا يستنصرون بهم على أعدائهم المتغلبين على البلاد الإسلامية . وكثيرا ما كان الملوك الإسبان يرسلون هؤلاء ثانية لحرب المسلمين ، أو يساومون الأمراء الحاكمين على تسليمهم مقابل التنازل عن بعض القلاع والحصون ، كانت خيانة الشعب الإسلامي والقضاء عليه شيئا فشيئا ، واقتلاع حياته وسبي أطفاله ونسائه يتم كل يوم وليلة ، بصورة لم يعهدها تاريخ المسلمين من قبل . وانعكس كل هذا على الحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي في الأندلس ، حينئذ . انحاز المسلمون إلى السواحل الباقية في أيديهم وكانت السواحل قاحلة - اللهم إلا سهول غرناطة وأرباضها - وكان المسلمون الأندلسيون أصحاب فلاحة حقة وفن رفيع في الزراعة وأيضا في الصناعة ، وقد حاولوا إصلاح الأراضي الساحلية ، كما حاولوا إقامة صناعات في غرناطة ومالقة . ولكن الأمراء الجشعين

--> ( 2 ) لسان الدين بن الخطيب : الإحاطة ج 1 ص 377 ، 397 .